أصواتنا تحكي الصّمت
كتبهاأهداف ، في 18 تموز 2009 الساعة: 11:49 ص
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يراودني أحيانا أنَّ كلاما كثيرًا يجب أن يقال لأحدٍ ما أو لِلا أحد، فأعزم على المضيِّ في تحدُّثِه ولكن يستوقفني خاطرُ الصَّمت، فأصمت.
لا بُدَّ يراودُك –يا قارئًا- ما الذي سأتحدَّثُ به؟ هل هو هامّ؟ هل هنالك شخصٌ بعينه يستوجب الحديث له، أم هو عامّ؟ ولكنَّ أكثر ما يثيرك ولا شكَّ لماذا الصّمت؟!
سأكتفي بالإجابة عن الأخير فقط، علّك معي تصل إلى نتيجة ترضاها لي ولكَ..
بدايةً: الصّمت ناتج التّجربة من الكلام عمومًا، إذ نتحدّث أحيانا في مواضيعَ كثيرةٍ ونكتشف لاحقًا أنَّ احتفاظنا بها أخيَرُ وأفضل، وعلى افتراضِ النّسبية من ذلك لا بدَّ أنّ تجربة الصّمت تستفزّ ناتجَ القول، ومن الصَّمت ما أوجع وأذى وحرق!
المعادلة البسيطة الكامنة من وراء ذلك أنَّ كلَّ واحد من الطّرفين ناتج ومسبِّبٌ معًا.
******
إنََ للصَّمت عوارِضَ غالبًا ما تبدأ بالظُّهور إثرَ الفشل في تجربةٍ كلاميَّة ما أو تجارب متلاحقة منها، يشعر المرء على إثرها بعبثيّة إعادتها أو المراوغة في إنجاحها علمًا بأنَّ فشلها قد تمّ، وإذا ما بلغَ مرحلة فيها خُذِل حتّى النّخاع، ممّا يجعله يقف حائرًا ما بينَ القول واللا قول. هذا النّاتج من الصّمت وليدٌ مؤقَّتٌ عمومًا ولكنَّه أحيانًا قد يثبتُ فيصير عادة تذوَّت لتصبح طبعًا يميّز بعض الخلق، ولكنّ هذا لا ينفي أنَّ طبع الصّمت موجودٌ عند شريحة من بني البشر يمتازون بجبلّةٍ مُزِجَ فيها الصّمت، وهنا أرجِّح أنَّ ذلك متعالق مع مميِّز الهدوء الذي قد يخلق للصّمت مراحًا واسعًا.
نوعٌ ثالث من الصّمت يتأتّى بدافعِ العبادة، وعظيمُ إيماني بصدقِ القول: الصّمت عبادة! فكم من حادثةٍ تحكي صمت رجال عظماء امتنعوا عن ممارسةِ الكلام بغية الوصول إلى حقيقةِ الذّاتِ الإلهيّة (مع الانتباه إلى أنَّ ممارسة الصّمت يمكن أن يتأتّى كعبادة بغية الوصول إلى ما يدور حول "الله" في ذلك انتحاء إلى فلسفةِ الفلسفة –برأيي-)
بالتّالي نفهم: الصّمت نمطٌ منه ما كان قدرًا ومنه ما كان قدرةً ومنه ما نتجَ إثر ممارسةِ النّقيض!
******
في الصّمت كلامٌ كثير جدًّا ربّما ينبعث في دخلية كلٍّ منّا فيصير وجوده حقّا وإن لم يخرج لأيِّ أذُنٍ تسمعه وتتلقّاه، ولأيّ قلب ينفعل لمحتواه.. ولكن ما بالكَ بصمتٍ لا كلامَ فيه؟!!
أيعقلُ أن نجدَ صمتًا مُفَرَّغا من الكلام؟
قد نجد نعم.. إنّما هذا الصّمت الذي يبدو كأن لا كلام فيه يحتوي ملايين التّراكيب التي تمتنع اللغة عن لملمتها وجمعها في إطار حديثٍ يعبث بالحواس الأخرى كما يفعل كلُّ كلامٍ، ذلك أنّها قاصرة عن بلوغِ أيِّ حدٍّ معنويّ أو روحيّ داخل المرء مهما حاولت أن تعكسه وتظهره.
أهذا الصّمت عجز من اللغة؟
نعم، هو عجزٌ بدليلِ صمتِ الأخرس القسريِّ عن إيجاد إطار لغويٍّ فيخلقُ لغةَ صمتٍ خاصّة به؛
ولا، ليس عجزًا بل امتناعٌ عن عجزٍ..
كيفَ ذلك؟
قد يمتنع المرء منّا عن الإيحاء بما يختلج فيه أو يعتريه من فكرة أو شعور بقدرة لغويّة يرى أنّ محدوديّتها لن تجعل منطق أيّ كائنٍ في هذا الكون بما فيهم "منطق الأنا" يدرك ما فيه حقّا، وهذا طبيعيّ جدّا، فكلّنا مميّز، وكلّ تميّز يعني ذاتًا أخرى.
هذا ما أسميّه: صمتُ الصّمت
******
يؤثر الصَّمت في السُّلوكِ الخارجيِّ للإنسان، المتمثِّل بتعابير وجهٍ أو حركاتِ جسدٍ، أو انفعالات حواسٍ، وقد يكون ذو إيحاءٍ ظاهريّ متمثّل بنظراتٍ حادّة أو صوتٍ خفيضٍ في حالات الكلام الروتينيّة أو ما شابه، والتي يحاول الكثير من العلماء والباحثين ربطها بمدلولات كامنة في الذّات الإنسانيّة، والحقيقة أنّهم مهما حاولوا فلن يستطيعوا الوصول إلى تلك الحقيقة القطعيّة واليقينيّة لأنّ ذات مرتبط بفهم أو لا فهم الفرد ذاته لنفسه مهما اقتربوا إليها، بينما لن أستطيع الجزم بأنّ الإنسان لا يتواصل مع الآخرين بهذه الانفعالات الإيحائيّة كنظرة العين مثلا ولكنّه لن يؤدّي إلى إدراك دقيق للمادّة القوليّة أو اللا قوليّة التي نحاول ترجمتها دائمًا.
من ناحية أخرى في الصّمت جزء لا يمكن للجسد التّعبير عنه، وكما تعجز اللغة فإنّ الجسد يعجز أيضًا عن التّلاحم مع انبعاثات الذّات الباطنيّة التي لا بدّ وأن أربطها بالرّوح صاحبةِ السِّيادة على منظومة التراكيب البشريّة، ممّا يجعل اكتشافه أمرًا معقّدا وصعبًا للغاية إلا إذا ارتبط بذاتنا مباشرة.
إذًا: الصّمت يحتوي طاقةً يفلح الجسد في التّدليل على وجودها أحيانًا.
******
يقول أصحاب المعاجم أنَّ الصّمت هو فعل السّكوت، والسّكوت امتناع عن النّطق، لذا صنّف النّحويّون أمثال سيبويهِ وغيره علم الأصوات إلى صائت وصامت، ممّا يجعلنا نضع الصّوت مقابلا للصّمت، على أنَّ هذه المقاربة لغويّة إذا دمجناها بالدّلالة لاكتشفنا بأنَّ فعل الصّمت إخفاءُ معلوماتٍ معيّنةٍ عمدًا أو من دونِ قصد عن مسامِع الآخرين، فهل يشرَّع انبثاق الصّمت من الكلام أو بالعكس؟ برأيي يمكن أن يدلّل القول على وجودِ معلوماتٍ يحافظ الصمت عليها من دونِ قصد فلو كانَ المرء قاصدا إبداءَها لزال معنى الصّمت لغايةِ الإخفاء وإن بقي حسًّا فقط، أمَّا تدليل الصّمت على قولٍ ما فكما قلنا آنفا يحتوي بعضُ الصّمت على مادّة قوليّة، ولكنَّه يعجز عن التّدليل عليها لاختفائه.
تدليل القول على الصّمت دون قصد إذا يسمّى: الإيحاء القوليّ بصمت خفيّ.
******
كانت هذه الوقفات جزءًا تفكيري بصوتٍ عليٍّ، علَّ الجميع يسمعه فيعيد البحثَ فيه ويثري الفكرة.. ولو ناقضها.
دامَ فضل الله عليكم بإذن الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر أهداف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























